هل يحق للمدين التقدم بطلب إعسار أكثر من مرة في الإمارات؟ ⚖️
يشارك
يظن بعض الأفراد أن نظام إعسار الأشخاص في دولة الإمارات يسمح بتكرار طلب الإعسار كلما تعرضوا لضائقة مالية، وكأن الإعسار أداة يمكن استخدامها بصورة دورية دون قيود. إلا أن المشرّع الإماراتي لم يترك هذا الأمر مفتوحاً، بل وضع ضوابط زمنية وقانونية واضحة تمنع إساءة استخدام النظام، وتحقق التوازن بين حماية المدين حسن النية وحفظ حقوق الدائنين.
فالإعسار وُضع كوسيلة تنظيمية استثنائية لمعالجة التعثر الحقيقي، لا كملاذ متكرر للتهرب من الالتزامات. ولهذا فإن فهم النصوص القانونية المنظمة لمسألة تكرار طلب الإعسار يعد أمراً جوهرياً لكل من مرّ بتجربة إعسار سابقة أو يفكر في إعادة التقديم.
الإطار القانوني الناظم: مرسوم بقانون اتحادي رقم (19) لسنة 2019
المسألة برمتها تخضع لـ المرسوم بقانون اتحادي رقم (19) لسنة 2019 بشأن الإعسار، وهو التشريع الذي نظم أوضاع الأشخاص الطبيعيين غير التجار عند عجزهم عن سداد ديونهم. هذا القانون لم يكتفِ بوضع إجراءات التسوية والحماية، بل تضمّن مواد تنظم إمكانية إعادة التقديم وشروطها وحدودها بناءً على مبدأ جوهري:
"الإعسار حماية قائمة على حسن النية، وليست رخصة دائمة لتكرار التعثر."
هل يحق التقديم أكثر من مرة؟ القاعدة العامة والمدد الزمنية
يجوز من حيث المبدأ إعادة التقدم بطلب إعسار، ولكن بشروط وقيود زمنية صارمة تمنع ما يسمى بـ "الإعسار الدوري". وتتمثل هذه الضوابط في عنصرين أساسيين:
المدة الزمنية الفاصلة بين الطلبين: تنص المادة (28) من قانون الإعسار – في مضمونها العام – على أنه لا يجوز للمدين التقدم بطلب جديد خلال مدة محددة من تاريخ انتهاء الإجراءات السابقة، ما لم تتوافر ظروف استثنائية تبرر ذلك. وفي التطبيق العملي، تنظر المحكمة إلى تاريخ انتهاء الإجراءات السابقة والوفاء بها، لا تاريخ تقديم الطلب القديم.
الالتزام وحسن النية: الفاصل الزمني ليس إجراءً شكلياً، بل ضمانة لحماية النظام المالي من سوء الاستخدام ولإثبات أن المدين يسعى جاداً للاستقرار المالي.
دور حسن النية والفرق بين التعثر والتحايل
حتى مع انقضاء المدة الزمنية، لا يعني ذلك قبول الطلب تلقائياً، إذ يفرّق القانون بوضوح بين حالتين:
التعثر المالي الجديد الحقيقي: وهو أن يخرج المدين من الإعسار السابق مستقراً، ثم يتعرض لاحقاً لظروف قهرية جديدة ومستقلة مثل فقدان الوظيفة، أو المرض، أو الأزمات الاقتصادية العامة. هذه الحالة ينظر إليها القضاء باعتبارها ظرفاً طارئاً يستوجب الحماية.
التحايل أو التكرار المتعمد: وهو أن يدخل المدين في إعسار، ثم يعود سريعاً إلى الاقتراض المفرط والالتزامات غير المدروسة، ثم يطلب الحماية مجدداً. هنا تعتبر المحكمة أن هناك سوء إدارة أو سوء نية.
ويظهر حسن النية للمحكمة من خلال: الالتزام بتنفيذ خطة السداد السابقة، عدم إخفاء الأصول أو الدخل، عدم نقل الأموال للغير بقصد التهرب، والتعاون الكامل مع الخبير أو الأمين المعيّن.
متى يُرفض الطلب الجديد؟
تتجه المحكمة إلى رفض طلب الإعسار الجديد مباشرة في الحالات التالية:
عدم انقضاء المدة القانونية المقررة بين الطلبين.
ثبوت سوء النية، أو تقديم بيانات مالية مضللة وإخفاء أصول.
عدم الالتزام الجدي بتنفيذ خطة التسوية السابقة.
القيام بتصرفات مالية تهدف إلى الإضرار بحقوق الدائنين.
تكرار الإعسار خلال فترة قصيرة دون وجود مبرر قهري مقبول.
سلطة المحكمة التقديرية وحقوق الدائنين
يمنح القانون المحكمة سلطة تقديرية واسعة في النظر إلى الظروف الاستثنائية. فإذا ثبت بالأدلة والمستندات (الطبية، الوظيفية، أو الاقتصادية) أن المدين تعرض لحدث قهري خارج عن إرادته، قد تقبل المحكمة الطلب رغم قرب المدة الزمنية.
ومع ذلك، يجب الإدراك أن إعادة التقديم لا تعني إلغاء حقوق الدائنين، بل تنظيمها من جديد؛ حيث يملكون حق الاعتراض والمشاركة في التصويت على الخطة المقترحة.
أهمية الاستشارة القانونية قبل إعادة التقديم
القرار بإعادة طلب الإعسار ليس إجراءً إدارياً بسيطاً، بل هو قرار قانوني استراتيجي يؤثر على السجل الائتماني ونمط السلوك المالي للمدين أمام القضاء. الاستعانة بـ مستشار قانوني متخصص في الإعسار تعد خطوة حاسمة لـ:
مراجعة المدد الزمنية وفحص الملف المالي بدقة.
تحليل السجل الائتماني ومدى الالتزام السابق.
صياغة الطلب الجديد وإعداد الدفوع والتقارير بصورة مهنية تمنع الرفض المحتمل وتوفر الوقت والجهد.
النظام القانوني الإماراتي قائم على فكرة إعادة التوازن المالي لا العقاب، وتكرار الإعسار ليس وصمة قانونية طالما التزم المدين بالشفافية والنزاهة، فالقانون يغلق الباب أمام الاستغلال لكنه يبقيه مفتوحاً دائماً أمام يد العون للمتعثرين بحسن نية.
يمكنكم الحصول على مزيد من المعلومات أو حجز إستشارة قانونية عبر الواتساب رقم 0585373400
#المستشار_علاء_نصر
